مِشْكَاةُ الأَزَلِ وَالهُوِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ
انْبَثَقَ الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (ع) نُوراً رَبَّانِيّاً مِنْ رَحِمِ النُّبُوَّةِ البَاذِخَةِ وَصُلْبِ الشَّهَادَةِ المُراقَةِ عَلَى ثَرَى كَرْبَلَاءَ، لِيَكُونَ الإِمَامَ المَعْصُومَ الرَّابِعَ فِي سِلْسِلَةِ الهُدَى. وُلِدَ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ فِي الـ5 مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ 38 هـ، وَعُرِفَ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ بِـ "ابْنِ الخِيرَتَيْنِ"؛ فَخِيرَتُهُ مِنَ العَرَبِ بَنُو هَاشِمٍ، وَمِنَ العَجَمِ فِارِسٌ حَيْثُ تَمَثَّلَتْ فِي أُمِّهِ السَّيَّةِ (شَهْرَبَانُو) بِنْتِ يَزْدَجِرْدَ، وَفِيهِ أَنْشَدَ أَبُو الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ بَيْتَهُ الشَّهِيرَ مَادِحاً هَذَا الِالْتِحَامَ النَّسَبِيَّ الفَرِيدَ.
حَمَلَ الإِمَامُ أَلْقَاباً تَرْوِي عُمْقَ صِلَتِهِ بِالسَّمَاءِ؛ فَكَانَ "زَيْنُ العَابِدِينَ" لِتَفَوُّقِهِ فِي مِحْرَابِ الطَّاعَةِ، وَ"ذُو الثَّفَنَاتِ" لِأَنَّ مَوَاضِعَ سُجُودِهِ كَانَتْ تَغْلُظُ كَثَفْنَةِ البَعِيرِ لِصَلَاتِهِ أَلْفَ رَكْعَةٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. قَضَى عُمُرَهُ الشَّرِيفَ (57 سَنَةً) نَابِعاً بِالعِلْمِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ مَسْمُوماً فِي الـ25 مِنْ مُحَرَّمٍ سَنَةَ 95 هـ، وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي سُمِّيَتْ بِـ "سَنَةِ الفُقَهَاءِ" لِعِظَمِ فَقْدِهِ، حَيْثُ وُورِيَ جَسَدُهُ فِي مَقْبَرَةِ البَقِيعِ.
صَدَى الطَّفُوفِ وَإِسْتْرَاتِيجِيَّةُ جِهَادِ التَّبْيِينِ
لَمْ يَكُنْ غِيَابُ الإِمَامِ عَنِ المَعْرَكَةِ العَسْكَرِيَّةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِلَّا حِكْمَةً إِلَهِيَّةً بَالِغَةً؛ فَقَدْ أَقْعَدَهُ المَرَضُ الشَّدِيدُ (المَبْطُونُ) لِيَحْمِيَهُ اللهُ مِنَ القَتْلِ، فَتَبْقَى فِيهِ سُلَالَةُ الإِمَامَةِ الشَّرْعِيَّةِ. لَقَدْ شَهِدَ المَأْسَاةَ كَامِلَةً وَتَحَمَّلَ عِبْءَ الأَسْرِ مُكَبَّلاً بِالأَغْلَالِ، مِمَّا جَعَلَهُ الشَّاهِدَ الحَيَّ الأَّوَّلَ الَّذِي يَمْلِكُ شَرْعِيَّةَ الدَّمِ النَّاطِقِ. وَمِنْ رَحِمِ هَذِهِ المَظْلُومِيَّةِ، انْطَلَقَ فِي جِهَادٍ تَبْيِينِيٍّ مُزْدَوِجٍ:
مُوَاجَهَةُ بَلَاطِ الطُّغَاةِ: حَطَّمَ الكِبْرِيَاءَ السِّيَاسِيَّ لِبَنِي أُمَيَّةَ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ؛ فَانْتَفَضَ فِي الكُوفَةِ مُفْشِلاً جَبْرِيَّةَ ابْنِ زِيَادٍ بِقَوْلِهِ: «قَتَلَهُ النَّاسُ»، وَمُعْلِناً أَنَّ «القَتْلَ لَنَا عَادَةٌ وَكَرَامَتَنَا مِنَ اللهِ الشَّهَادَةُ». ثُمَّ زَلْزَلَ بَلَاطَ يَزِيدَ فِي الشَّامِ بِخُطْبَتِهِ المَصِيرِيَّةِ («أَنَا ابْنُ مَنْ قُتِلَ صَبْراً بِكَرْبَلَاءَ»)، فَقَلَبَ المَجْلِسَ إِلَى مَأْتَمٍ وَدَكَّ الرِّوَايَةَ الرَّسْمِيَّةَ الَّتِي زَعَمَتْ أَنَّهُمْ خَوَارِجُ.
سِلَاحُ الدَّمْعَةِ وَتَعْطِيلُ النِّسْيَانِ: حَوَّلَ لَقَبَ "البَكَّاءِ" إِلَى أَدَاةٍ نَفْسِيَّةٍ ذَكِيَّةٍ لَا تَعْرِفُ الِانْكِسَارَ. فَكَانَ يَمْزُجُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ بِدُمُوعِهِ، وَيَقِفُ فِي الأَسْوَاقِ عِنْدَ الجَزَّارِينَ سَائِلَاً عَنْ سَقْيِ الشَّاةِ قَبْلَ ذَبْحِهَا، لِيَصْرُخَ بِأَلَمٍ يُوقِظُ الضَّمَائِرَ: «وَاحَسْرَتَاهُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! تُذْبَحُ عَطْشَانَاً». بِذَلِكَ حَوَّلَ المَاءَ وَالأَسْوَاقَ إِلَى مَنَابِرَ حُسَيْنِيَّةٍ مُتَجَدِّدَةٍ تَجْعَلُ الفَاجِعَةَ حَاضِرَةً مَعَ كُلِّ جُرْعَةِ مَاءٍ.
الإِرْثُ التَّرْبَوِيُّ وَمَنَاظِمُ الأَنْظِمَةِ المَعْرِفِيَّةِ
بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى المَدِينَةِ، وَأَمَامَ الحِصَارِ السِّيَاسِيِّ المَضْرُوبِ عَلَيْهِ، أَدْرَكَ الإِمَامُ أَنَّ السِّيَاسَةَ الأُمَوِيَّةَ تُحَاوِلُ إِفْرَاغَ الإِنْسَانِ المُسْلِمِ مِنْ جَوْهَرِهِ الأَخْلَاقِيِّ وَدَفْعَ المُجْتَمَعِ نَحْوَ التَّمَيُّعِ المَادِّيِّ لِإِلْهَائِهِ عَنِ المُطَالَبَةِ بِالحُقُوقِ. فَبَاشَرَ عَمَلِيَّةً بِنَائِيَّةً كُبْرَى عَبْرَ نِظَامَيْنِ مَعْرِفِيَّيْنِ:
نِظَامُ الحُقُوقِ (رِسَالَةُ الحُقُوقِ): صَاغَ أَوَّلَ دُسْتُورٍ حُقُوقِيٍّ شَامِلٍ لِلْبَشَرِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مَوَاعِظَ بَلْ شَبَكَةً تَنْظِيمِيَّةً تَبْدَأُ مِنْ حَقِّ اللهِ الأَكْبَرِ، ثُمَّ حُقُوقِ النَّفْسِ وَالجَوَارِحِ، وُصُولاً إِلَى الحُقُوقِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَ السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي تُحَدِّدُ العَلَاقَةَ بَيْنَ الحَاكِمِ وَالرَّعِيَّةِ، لِيَكُونَ بَدِيلاً شَرْعِيّاً مَعْصُوماً يُعِيدُ لِلْإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ المُنْتَهَكَةَ.
النِّظَامُ الرُّوحِيُّ (الصَّحِيفَةُ السَّجَّادِيَّةُ): الَّتِي لُقِّبَتْ بِـ "زَبُورِ آلِ مُحَمَّدٍ"؛ حَيْثُ فَتَحَ جَبْهَةَ الغَيْبِ بِالدُّعَاءِ بَعْدَ أَنْ أُغْلِقَتْ مَنَابِرُ الكَلَامِ. حَمَلَتْ أَدْعِيَتُهُ مَفَاهِيمَ التَّوُحِيدِ الخَالِصِ، وَبَثَّتْ مَفَاهِيمَ الإِمَامَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِشَكْلٍ مُبَطَّنٍ ذَكِيٍّ عَبْرَ تَكْرَارِ الصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، الدُّعَاءِ لِوُلَاةِ الأَمْرِ المَنْصُوبِينَ مِنَ اللهِ، مِمَّا نَفَى الشَّرْعِيَّةَ تِلْقَائِيّاً عَنِ الخُلَفَاءِ الغَاصِبِينَ.
الامْتِدَادُ الرِّسَالِيُّ وَشَهَادَةُ التَّارِيخِ الجَامِعَةِ
لَمْ تَقْتَصِرْ رِسَالَتُهُ عَلَى النِّتَاجِ الفِكْرِيِّ، بَلْ جَسَّدَهَا فِي ذُرِّيَّةٍ طَاهِرَةٍ حَمَلَتْ عِلْمَهُ؛ عَبْرَ سُلَالَةِ ابْنِهِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ البَاقِرِ (ع) الَّذِي مَثَّلَ التِحَامَ السِّبْطَيْنِ وَبَقَرَ العِلْمَ بَقْراً مُؤَسِّساً المَدْرَسَةَ الفِقْهِيَّةَ الكُبْرَى، وَابْنِهِ زَيْدٍ الشَّهِيدِ حَلِيفِ القُرْآنِ الَّذِي قَادَ ثَوْرَتَهُ المَشْهُورَةَ ضِدَّ الظُّلْمِ مُجَدِّداً مَأْسَاةَ الطَّفِّ، إِضَافَةً إِلَى أَبْنَائِهِ الأَجِلَّاءِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ البَاقِرُ بِقَوْلِهِ: «عَبْدُ اللهِ يَدِي، وَعُمَرُ بَصَرِي، وَزَيْدٌ لِسَانِي، وَالحُسَيْنُ حَلِيمٌ يَمْشِي هَوْناً».
يَقِفُ التَّارِيخُ الإِسْلَامِيُّ بِكُلِّ اتِّجَاهَاتِهِ بِإِجْلَالٍ أَمَامَ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ؛ فَفِي حِينِ تَرَاهُ مَدْرَسَةُ أَهْلِ البَيْتِ إِمَاماً مَعْصُوماً وَامْتِدَاداً لِلْوَصِيَّةِ، تَفِيضُ مَصَادِرُ الجُمْهُورِ بِالإِقْرَارِ بِفَضْلِهِ؛ حَيْثُ يَنْقُلُ الذَّهَبِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قَوْلَهُ: «مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ»، وَيَصِفُهُ الزُّهْرِيُّ وَابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّهُ كَانَ ثِقَةً مَأْمُوناً، عَالِياً رَفِيعاً وَوَرِعاً. لَقَدْ نَهَضَ الإِمَامُ بِأَمَانَتِهِ؛ فَحَمَى جَذْوَةَ كَرْبَلَاءَ مِنَ الِانْطِفَاءِ، وَأَعَادَ صِيَاغَةَ عَقْلِ الأُمَّةِ، لِيَبْقَى نُورُ آلِ مُحَمَّدٍ مَشْعَلاً حَضَارِيّاً لَا يَنْطَفِئُ.