الاعلانات
سؤال الانتماء

سؤال الانتماء




لم تكن أزمة الإنسان في فقدان النماذج الفكرية بقدر ما كانت في اختزاله داخل نماذج جزئية؛ فقد حاولت الليبرالية، والماركسية، والقومية، والعولمة.. وغيرها، أن تجيب عن أسئلة: من هو الإنسان؟ وإلى ماذا ينتمي؟ وما الذي يمنحه المعنى والحرية والكرامة؟

 

قدّم الفكر الحديث إسهاماتٍ وأسئلةً مهمة، غير أن بعض اتجاهاته جعل بُعداً من أبعاد الإنسان إطاراً شاملاً لتفسيره؛ فالليبرالية جعلت الحرية الفردية محوراً، والماركسية قرأت الإنسان في علاقات الإنتاج والصراع الطبقي، والقومية جعلت الأمة محور الهوية والولاء، فيما وسّعت العولمة الاتصال والتبادل، وغلب على بعض صورها البعد الاقتصادي والاستهلاكي، وأثارت سؤال العلاقة بين العالمي والمحلي والخصوصية.

 

ومن هنا يبرز السؤال: هل يستطيع تصورٌ واحد أن يستوعب الإنسان في جميع أبعاده؟

 

فالإنسان أكبر من أن يُختزل في السوق، أو الطبقة، أو الأمة، أو الفرد وحده؛ والكونية لا تستلزم إلغاء الخصوصية. ومن هنا ينطلق التصور الإسلامي من وحدة الأصل الإنساني السابقة على دوائر الانتماء.

 

قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، فالاختلاف في الشعوب والقبائل لا يُلغى، بل يُوجّه إلى التعارف، فلا تصبح القومية أو الثقافة أو الوطن معياراً نهائياً لقيمة الإنسان. وقال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم)، فالكرامة أصلٌ للإنسان من حيث هو إنسان، ويعبّر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن هذا المعنى في عهده إلى مالك الأشتر: "فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق"، وعليه، فالكونية الإسلامية ليست مجرد انتشارٍ للرسالة، بل رؤيةٌ للإنسان والعدل والرحمة والقيمة، تقوم على وحدة الأصل مع بقاء التعدد.

 

وفي الحرية، لا يقوم التصور الإسلامي على الانفلات من كل قيد، بل على تحرر الإنسان من عبودية ما سوى الله، مع اقتران الحرية بالغاية والأخلاق والمسؤولية؛ فليس كل ما يقدر عليه الإنسان مما يحق له فعله.

 

كما لا يطلب الإسلام الاختيار بين الهوية الخاصة والإنسانية العامة؛ فالأسرة، والمجتمع، والوطن، والأمة، والإنسانية دوائر متداخلة، ولا يتحول التعارض بينها إلى أزمة إلا حين تنتزع إحداها حق الهيمنة المطلقة على الإنسان.

 

لذلك ليست الكونية الإسلامية ذوباناً، ولا عولمةً ماديةً بثوب ديني، بل وحدةٌ لا تلغي التعدد، وتعارفٌ لا يقتضي الذوبان، وانفتاحٌ لا يستلزم الاستلاب، وكونية الرسالة لا تُقاس بمجرد مخاطبة العالم، بل بقدرتها على حفظ الكرامة، وإقامة العدل، وضبط القوة، وربط الحرية بالمسؤولية، وجعل الاختلاف مجالاً للتعارف والتكامل. لقد قدمت الاتجاهات الحديثة أسئلةً وأدواتٍ مهمة، لكن الإنسان يبقى أكبر من اختزاله في واحدة من دوائره: الإنسان عبدٌ لله، مكرّمٌ في أصله، متعدّدٌ في انتماءاته، واحدٌ في أصل إنسانيته، ومسؤولٌ عن حريته وعدله وعلمه وعمله وعلاقاته.

 

ومن هنا فالمشكلة ليست في الانتماء، بل في انتماءٍ يختزل الإنسان أو يستعبده؛ كما أن الانفتاح لا يعني الذوبان، والخصوصية لا تعني الانغلاق.

 

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نبحث عن عالمٍ يوحّد البشر بإذابة اختلافاتهم، أم عن رؤيةٍ توحّدهم في الكرامة والعدل والمعنى، مع بقاء اختلافهم مجالاً للتعارف والتكامل؟

 

نصير الحسناوي

الانتماء إلى الأرض والعشق إلى الوطن...التفاصيل
صولة وسط الركام...التفاصيل
أنتولوجيا الإسلام.‏...التفاصيل
ازدراء الأديان! ‏...التفاصيل
ثقافة التطرف.....التفاصيل
الأدوار المجتمعية في الإعداد لعصر الظهور.‏...التفاصيل
ثَقَافَةُ فَقَاْقِيْعُ...التفاصيل